لا تنمية دون مشاركة المجتمع المدني في صياغة السياسات الاقتصادية

لا تنمية دون مشاركة المجتمع المدني في صياغة السياسات الاقتصادية
السبت, 12 أغسطس 2017 18:58

للمصداقية مقومات، والالتزام والجدية والثقة لا تتشكل من فراغ، العلامات المضيئة بالجملة، اليوم الجديد دون إضافة يسقط من الحسابات، يؤمن بالتجربة والخطأ حتى يحقق الدقة.

المتابعة والاهتمام بالأمور الصغيرة ليس إلا ضمانًا لجودة العمل، كان لخاله وزير السياحة الأسبق التأثير الأكبر فى تشكيل شخصيته، ليحدد معه منذ سنوات عمره الأولى مسيرته ليس بحثًا عن المال، وإنما لتحقيق علامات تمنحه أفضلية فى سجلات مشواره.

هشام توفيق، الرئيس التنفيذى لشركة «فانتج» للوساطة فى الأوراق المالية يبحث عن الابتكار، مهما كلفه عناء، أبحاثه المتنوعة شاهدة على عزيمته وإصراره لتقديم الأفضل، للتفاصيل أهمية فى العمل فقط، ودون ذلك لا تعنيه، هكذا انطباعى عن الرجل.. ملامحه تحمل الغموض، وأحياناً الغرور لمن لا يعرفه، والوضوح لكل من تعامل معه.. استقبلنى مصافحًا فى غرفة مكتبه البسيط، لا تسمع إلا حركة الأقدام، الكل منشغل فى عمله.

بادرنى قائلاً: «مدرسة التحليل الفنى تشير إلى أن اتجاه المؤشر مع الصعود أو الهبوط لا ينتهج خطًا مستقيمًا مرة واحدة، بل يكون هبوطًا وصعودًا إلى أن تتضح رؤيته، وهكذا الحال بالنسبة للسياسة الاقتصادية، فالاتجاه هابط منذ 60 عاماً، حتى الثلاثة أعوام السابقة، لم يكن التغيير المنشود بقوة، لكن بعض الأمور اتخذت اتجاهًا صحيحًا كاستراتيجية عامة».

وتابع أنه «بالنظر إلى التفاصيل هناك العشرات حول كيفية إجراء إصلاحات بصورة عاجلة، وأكثر كفاءة، مستشهدًا بملف الدعم، فالحل العلمى يكمن فى الدعم النقدى، وغير ذلك دون فائدة».

< أقاطعه متسائلًا: إذن إذا كان الحل فى الدعم النقدى فلماذا لم يتم تفعيله منذ سنوات؟

- يرد قائلًا: «منذ 20 عامًا والحكومة تتحدث عن ترشيد الدعم، وللدعم 3 أنواع عينى موجه، مثل الكهرباء، والنقل والوقود، والكل يستفيد منه، ورغم منظومة الكروت التى اتجهت إليها الحكومة إلا أنها لم تفعل، وكذلك الدعم العينى الموجه إلى بطاقات التموين المكبل بالفساد، ثم الدعم النقدى الذى يستهدف الفئات المستحقة بطريقة علمية، وقد يصل عددهم إلى 8 ملايين أسرة بنحو 45 مليون فرد، ولكن يتعامل مع الملف بصورة بطيئة ومترددة».

«توفيق» الذى غرست بداخله أسرته التميز فى العمل ليس من أجل المال وإنما الإتقان والمصلحة العامة يظل ملف الدعم شغله الشاغل مثل غيره من الملفات، فمنذ 2006 اتخذت إجراءات من أجل هذا الملف ولكن انحرف عن المسار، وهو ما تتحمله الحكومات السابقة، صحيح أن الحكومة الحالية بدأ إجراءات رفع الدعم لكن لا يزال عدم وضوح الرؤية فى عملية الإنجاز والاستهداف الجيد سيد الموقف، ونفس الأمر لكافة الملفات، تتسم بالضبابية والاستراتيجية غائبة فى ظل سياسة بطيئة، ومتعارضة.

< أقاطعه مرة أخرى.. ترى ما الحل؟

- يجيبنى قائلًا إنه «لا بد من وجود نية من الحكومة فى إفساح المجال ومشاركة القطاع المدنى فى صياغة الاستراتيجية والتنفيذ، وبدون المساهمة، واستنهاض قدرات المجتمع لن تتحقق التنمية.

تنبأ والده بذكائه وابتعاده عن التقليدية فى أمور حياته، لتكون قبلته نحو الابتكار، لذا حينما يتحدث عن مشاركة المجتمع المدنى وأنه البديل الوحيد للنهوض اقتصادياً، فإنه يستدعى النموذج الألمانى المرعب اقتصاديًا الذى يعد العمود الفقرى لاقتصاديات أوروبا.. يقول إن «النموذج الألمانى يمتلك اتحادًا عاملاً للصناعات والمهن، حيث يضم كل اتحاد 80 اتحادًا نوعياً، يضم عشرات الغرف لكل تنظيمه الذاتى بعيدًا عن الحكومة التى تراقب الاتحاد الرئيسى فقط».

دار بذهنى سؤال ويبدو أنه علم ما بداخلى، فبادرنى قائلاً: «فى زيارة رئيس الجمهورية لألمانيا تم استعراض التجربة، ولكن شكل كيانًا آخر للمشروعات الصغيرة، بوزارة التجارة والصناعة، ولم تخرج التجربة الألمانية إلى النور بفعل فاعل، ما يؤكد عدم قدرة الحكومة على التخطيط والمراقبة، لو نفذت هذه التجربة كانت سوف تؤتى ثمارها خلال 3 سنوات».

الجدل لا يزال مستمراً حول ثمار الإصلاح الاقتصادى، وإحساس رجل الشارع بها إلا أن «توفيق» له رؤية خاصة تشير إلى أن المشهد لا يبشر بالخير فى ظل حالة البطىء، وتكلفة الاقتراض، وتخفيض العملة، وبالتالى فإن على المدى القصير لن يجنى المواطن الثمار، حيث إن فاتورة الإصلاح ستكون مؤلمة لفترة.

للرجل فلسفة من نوع خاص تبنى على المعرفة،

والاطلاع، لذا عندما يتحدث عن السياسة المالية تتسم تعبيراته بالدقة، حيث يعتبر علاجها فى توسيع القاعدة الضريبية وجمع البيانات، ولا يزال الجميع يتذكر تجربة الدكتور يوسف بطرس غالى، وزير المالية الأسبق واعتماده على التجربة القبرصية التى أسهمت فى دعم الإيرادات الضريبة، وتجارب الدول متعددة للعمل بها، ما يساهم فى زيادة الضرائب من 400 مليار جنيه إلى تريليون، وكذلك العمل على ضم العديد من الفئات الهاربة والقطاع غير الرسمى بالمحفزات.

الرجل من أنصار مدرسة أن عامل الوقت هو الذى حدد الأسلوب الذى خفض به سعر الجنيه بنظام الصدمة، حيث إن عملية التأخير تسبب فى وصول سعر الدولار إلى 19 جنيهاً، والمشهد كان سوف يختلف إذ تم تخفيض العملة قبل عام 2006.

يحمل الرجل أيضًا مشروع حفر قناة السويس الجديدة جانبًا فى تشوهات أسعار الفائدة، بسبب العوائد التى قفزت من 9% إلى 12.5% ثم بفعل التضخم وصلت إلى 20%.

محطات مسيرة الرجل لم تكن مفروشة بالورد، فمنذ أن قرر الاعتماد على نفسه مر بمراحل ومطبات نجح فى تجاوزها، له وجهة نظر خاصة فى قانون الاستثمار، حيث يعتبر أن العيب ليس فى القانون، إذ إنه بالقانون السابق نجحت الدولة فى جذب استثمارات أجنبية بنحو 13 مليار دولار فى عام 2006، والقانون الجديد استغرق وقتًا طويلًا كنا ليس فى احتياج له، فى ظل الأولويات والقضايا الأكثر تأثيراً.

< أسأله: هل لا يزال القطاع الخاص يعانى؟

- يرد قائلاً: «من العجب أن يسهم القطاع بنسبة 70% من الإنتاج ورغم ذلك لا يشارك فى اتخاذ القرار، ومحروم من التمكين تشريعياً».

أقاطعه قائلًا ربما الصورة الذهنية السيئة عن القطاع الخاص بسبب تداعيات ملف الخصخصة.

تبدت على ملامحه دهشة.. قائلًا: «من الظلم الحكم على تجربة الخصخصة بالفشل، حيث حققت نسبة نجاح 70% والصفقات الفاشلة بنيت على الفهلوة، وعلى الدولة إذا أرادت نجاح الطروحات القادمة أن تقوم بطرح نسب تصل 70% لمؤسسات متخصصة فى القطاعات المطروحة، والحصة الباقية للأفراد، بحيث تتخارج الحكومة بشكل كامل، ما يعيد نجاح تجربة مدينة نصر التى تم بيع 75% للقطاع الخاص.

يظل «توفيق» يبحث عن الجديد، فقد نجح فى إجراء دراسات وأبحاث فى مجالات متنوعة، حيث لديه إيمان أن 3 قطاعات قادرة على دعم قاطرة الاقتصاد بقيادة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة باعتباره قطاعًا هامًا وممتداً إلى الزراعة، وكذلك الطاقة المتجددة، بكل أنواعها.

عندما ترك له والده حرية الاختيار منذ نعومة أظافره حدد لنفسه طريقًا قد يكون شاقاً، لكن نهايته القمة، لتكون اختياراته مختلفة عن الآخرين، وكانت شركة عربية أون لاين، لتداول الأوراق المالية، أول شركة متخصصة بالتداول الإلكترونى، وأحدثت ضجة واسعة فى السوق لاختلاف الفكر، ثم يطل من جديد بفكر جيل جديد فى التكنولوجيا، وباسم له دلالة تشير إلى الأفضلية، خاصة أن «فانتج» تعنى وجهة النظر لما حوله، ومن منطلق «عميلنا يستحق الأفضلية» أسس شركته التى يبلغ حقوق المساهمين فى 31 مارس 24 مليون جنيه، ويهدف إلى تقديم المزيد لعملاء السوق من خلال 4 محاور تتمثل فى إدارة البحوث، بما يساعد عملاء الشركة، وتقديم منتجات جديدة عن طريق تداول سلة الأسهم يتمكن من خلالها شراء وبيع مجموعة أسهم بأمر واحد مع إمكانية أمر على مستوى السلة لتحقيق أرباح أو إيقاف الخسائر، وكذلك ربط آليات للتداول المباشر على شهادات الإيداع الدولية بالأسواق الخارجية، وتقديم وسائط للتداول من خلال الموبايل والتابلت.

عام 2002 نقطة فاصلة فى حياة الرجل عندما اتخذ قراراً بالعودة، إلى أرض الوطن مضحيًا بمغريات أموال الخارج، ليبدأ صفحة أكثر إصرارًا وعزيمة ويحقق نجاحات متتالية من ضمنها شركته الحالية التى يخطط إلى أن تكون ضمن 10 الكبار فى السوق خلال 2019.

يظل «توفيق» علاقاته بالتاريخ لا تقبل الفصال، حيث يستمد منه التجارب، الرجل شغوفًا بالموسيقى حالماً، عاشقًا للرياضة ويهوى كل أنواعها الجماعية والفردية، مغرمًا بالألوان الصافية التى توحى بالنقاء، واللون الأحمر باعتباره حافزًا يتماشى مع شخصيته، لكن يظل انشغاله الأكبر الوصول بشركته إلى الريادة.. فهل ينجح فى ذلك؟