أحمد محمد رضا: دفن ابنته الوحيدة وذهب للمسرح

أحمد محمد رضا: دفن ابنته الوحيدة وذهب للمسرح
الأربعاء, 17 مايو 2017 20:33

 رفض الهروب من الباب الخلفى للمسرح وقال: لو الجمهور يريد قتلى أهلًا وسهلًا!

 تخلى عن وظيفة مهندس بترول ن اجل التمثيل

 صنعوا له «كرش» حتى يليق عليه دور المعلم

 

ـ رضا بوند.. رضا بوند

 كان معلم وكويستو

ـ باع كل ما له وفلستو

ـ وقفل الدكان

ـ سر الحكاية.. يا خلانى

ـ فيلم الجانى.. سى«جيمس بوند» الأخرانى

ـ وكر الشيطان

<<< 

ـ عام 1948 عاد المهندس «محمد رضا» إلى منزله فى مدينة الإسماعيلية التى كان يعيش فيها وجلس فى الصالون وطلب من زوجته فنجان قهوة. بعد دقائق جلست أمامه وفى يدها القهوة.

ـ الحمد لله نجحت اليوم فى اتخاذ أصعب قرار فى حياتى.

ـ ردت الزوجة فى خوف: خير يا محمد أفندى.

ـ قدمت استقالتى للشركة اليوم.

ـ فنجان القهوة الذى كان فى يد الزوجة كاد يسقط من يدها. وعقلها توقف عن التفكير. والتزمت الصمت لا تعرف ما تقول، فهى منذ شهور تحاول أن تجعله يتوقف قليلًا أمام رغبته الجامحة فى الاستقالة وترك الإسماعيلية للسفر للقاهرة، حيث الأضواء والمسارح والتمثيل الذى يحبه ويعشقه، ولا يعرف غيره سبيلًا للحياة. نعم الزوجة تعرف كل هذا وتعلم مدى حبه للفن والتمثيل. لكنها تعلم أيضًا أن استقالته من شركة البترول التى يعمل بها بمقاييس الحياة العادية كارثة.

وأن السفر للقاهرة بحثًا عن التمثيل الذى يجرى خلفه، هو ضرب من المستحيل، وسفر نحو المجهول، كل هذا تعلمه وتخاف من اليوم الذى يأتى لتجد نفسها وبيتها أمامه. وقد جاء للأسف هذا اليوم، زوجى من أجل التمثيل استقال. الحياة بالأمس كانت شيئا، واليوم أصبحت أشياء. ومن اليوم فصاعدًا الأسرة أصبحت فى مهب الريح بسبب التمثيل.. لله الأمر.

ـ يا زوجتى العزيزة.. أعرف كل مخاوفك على بيتنا ومستقبلنا والمصاريف وأكل العيش، لكن اجعلى ثقتك بالله كبيرة.. ربك لا ينسى عباده.. لقد حاولت مرارًا أن أجمح بداخلى صوت «الفنان» لصالح صوت «الموظف» لكن التمثيل هو عشقى ورسالتى فى الحياة. أمامنا 24 ساعة حتى نترك تلك المدينة وهذه الشقة للسفر للقاهرة.

ـ ردت الزوجة وهى لم تفرغ من فنجان قهوتها قائلًا: «خليها على الله.. يا محمد أفندي»!

<<< 

إلى القاهرة جاء محمد رضا بأسرته بحثا عن حلم التمثيل الذى يراوده ويقلق عقله منذ سنوات، حتى أنه ضحى من أجله بالوظيفة «الميرى» فى زمن كان الذى «يتمرغ» فى تراب الميرى، فقد نجا. أما محمد رضا فقد رأى أن نجاته الحقيقية هى الوقوف على خشبة المسرح، ومن أجل ذلك ذهب إلى معهد الفنون المسرحية وتخرج فى دفعة 1953، ليبدأ رحلة التمثيل من خلال أدوار مسرحية أثناء الدراسة دارت كلها وانحصرت فى شخصية مفتش المباحث. وظل فى هذه الدائرة حتى عام 1958 الذى حمل له شخصية «المعلم» فى رائعة نجيب محفوظ «زقاق المدق» التى لعب فيها دور المعلم الذى اشتهر به ليصبح صاحب أشهر أدوار «المعلمين» أولاد الحارة المصرية والمناطق الشعبية، تلك الشخصية التى اختفت فى الواقع مثلما اختفت على الشاشة بعد غيابه، باستثناء تواجد خاص للراحل سيد عبدالكريم فى دور «زينهم السماحى» فى رائعة أسامة أنور عكاشة «ليالى الحلمية».

<<< 

ـ «وربنا.. ده تحدى.

ـ وشنوانى.. مش قدي».

كانت هذه الكلمات أو «اللزمة» بمصطلح أهل الفن تدور فى ذهنى وأنا أسير فى الشارع فى طريقى إلى منزل «المعلم» محمد رضا، حتى ألتقى ابنه «أحمد» فى سلسلة حوارات «أبى.. الذى لا يعرفه أحد» وتُعد هذه «اللزمة» من أشهر الكلمات التى لصقت واشتهرت عن «المعلم رضا» من بين جمل كثيرة اشتهر بها فى أعماله الفنية. هذا «التحدى» الذى كان يعلنه ويواجهه، مازال موجودًا فى المجتمع؛ بل نستطيع أن نقول إن هذا «الإفيه» الذى نحته كان فيه من الفلسفة ما يجعلنا نتوقف أمامه. والفلسفة هنا فى منطق «التحدي» الذى كان يتحدث عنه بوصفه «ابن بلد» و«مجدع» و«رجولة»، وهذه مقومات تجعله لا يخاف أى شىء فهو جاهز «للتحدى» فى أى وقت وأمام أى إنسان ومع أى ظرف طارئ. فى الشارع وأنا فى الطريق إلى عالمه، كنت أرى منطق «التحدى» مرسوماً على وجوه الناس، الكل يبدو على ملامحه أنه فى معركة «تحدى» غير أن الفارق ما بين «تحدى» المعلم رضا فى زمنه وبين «التحدى» فى زماننا هذا أنه كان يقدم لنا الشخصية التى تقبل التحدى فى الواقع أما اليوم فليس بيننا الكثيرون الذين نجدهم يقبلون «التحدى» بمقومات الشرف والنزاهة والرجولة.

فهل كان «المعلم رضا» وهو ينحت لنا هذا الشعار، يدرك بعين الفنان وإحساسه أن الزمن سيتغير أو بمعنى أدق نحن الذين سنغير الزمن للأسوأ، وأن «التحدى» إذا فرض علينا، فإننا سنقبله بآليات ومفردات وأسلحة كلها خسة وندالة وانحطاط، وهذه مقومات أو صفات لم تكن موجودة فى شخصية «ابن البلد» التى عرفها وقدمها لنا فى أعماله؟ ربما!

<<< 

وصلت فى الموعد المتفق عليه بينى وبين ابنه أحمد، فى صالة الشقة جلست وأمامى صورة ضخمة «للمعلم رضا» وبجوارها صورة «عائلية» تجمع أفراد أسرته، باستثناء صورة معلقة بمفردها لابنته الوحيدة التى ماتت فى حياته، وتأثر برحيلها بشدة، لدرجة أنه صرح بعدها فى حوار صحفى بأنها زلزلت كيانه برحيلها المبكر. تأملت «البراويز» المعلقة على الحوائط حتى جاء ابنه وفى يده قطع الشيكولاتة التى قدمها أو بمعنى أدق وضعها أمامى.. ثم لاحظ تركيز بصرى على صورة شقيقتهما، فشاركنى النظر بتأثر واضح، ثم قال: كانت أختى رحمها الله أقرب انسان إلى قلب أبى.

وقد تأثر برحيلها جدًا. فنحن كنا ثلاثة أولاد «حسين، أحمد، مجدى» وابنة واحدة اسمها أميمة، وكان أبى يعتبرها فاكهة الأسرة، ويوم وفاتها كان يقدم عملا مسرحيا، ورغم حزنه وتأثره الشديد وبعد دفنها وجدناه يتركنا فى طريقه للمسرح، قلنا له: لا داعى اليوم للمسرح. قال: وما ذنب الجمهور؟ وبالفعل ذهب للعرض وقدم الدور، ويومها بعد انتهاء العرض خرج أحد الفنانين ووقف على خشبة المسرح وأعلن للجمهور أن الفنان «محمد رضا دفن ابنته الوحيدة اليوم وجاء إليكم ليقدم دوره التزامًا منه أمامكم، فضجت القاعة بالتصفيق وبكى هو أمامهم وبكى الكثير من الجمهور معه.

قلت للابن: فى البداية كيف استطاع أن يأخذ قرار الاستقالة من الوظيفة الميرى وهو يعول أسرة؟ رد وهو يضحك: الحقيقة كان هذا قرارًا صعبًا فى توقيته. وأذكر أن والدتى رحمها الله كانت كلما تذكرت ذلك اليوم الذى عاد لها فيه وفى يده خطاب الموافقة على الاستقالة تضحك وتقول: يومها شعرت أننا فى طريق الضياع، حيث القاهرة مدينة كبيرة ولا نعرف أحدا فيها، وليس معنا أموال باستثناء مبلغ بسيط.

فكنت خائفة من الأيام، لكن «رضا» كان واثقًا من نفسه، ومن أن الله لن يتركه يخوض غمار التجربة بمفرده، كان يثق أن الله سيقف بجواره. وأذكر أن أخى الأكبر قال لها: وأنت يا ماما لماذا وافقت على استقالته؟ كانت ترد ضاحكة: يا ابنى، التمثيل كان قد تملك تمامًا من أبيك ولم يعد له أى علاج غير أن يمثل، لا أنا ولا أى إنسان كان سيمنعه من أن يحقق حلمه.

<<< 

ولد محمد رضا فى 21 ديسمبر 1921 فى محافظة أسيوط، حصل على دبلوم الهندسة التطبيقية العليا فى عام 1938 ودبلوم المعهد العالى للفنون المسرحية فى عام 1953، عمل مهندس بترول فى منطقة القناة وتزوج مرة واحدة من خارج الوسط الفنى وله من الأبناء أربعة، ثلاثة ذكور وابنة واحدة، ماتت فى حياته.

 أثناء دراسته فى معهد الفنون المسرحية قام بأداء أدوار صغيرة كان أغلبها عبارة عن أدوار مفتش المباحث. اكتشفه أحد المخرجين ليقوم بدور «معلم» على خشبة المسرح، واضطر من أجل تأدية الدور أن يتم عمل «كرش» له صناعيًا حتى يلائم الدور. وبالفعل نجح فى تأدية الدور وصدقه الجمهور فى دور المعلم الذى اخترع طريقة جديدة للضرب فى السينما وهى الضرب بـ«الكرش» بعد هذه الفترة أفرط قدر الإمكان فى الأكل واستجاب جسده لذلك حتى يكون الكرش طبيعيا. ولقد نجح فى ذلك، ونجحت كل الأدوار التى قدمها كمعلم ابن بلد. بعد ذلك اخذته السينما فى إطار «ابن البلد» خفيف الظل وهذا ما ظهر فى فيلم «خان الخليلى» الذى قال عنه هو نفسه إن هذا الدور هو أفضل دور قام بأدائه على الشاشة، بعدها انطلق لدور البطولة فى مسلسل إذاعى اسمه «رضا بوند» والذى تحول بعد ذلك للسينما والمسرح ثم توالت أعماله التى وصلت إلى 70 فيلمًا بخلاف

الأعمال المسرحية والإذاعية والتليفزيونية. ورحل عن عمر يناهز الـ74 سنة فى 21 فبراير 1995.

<<< 

عدت للابن وقلت له: كيف كان يقضى يومه فى المنزل؟ رد: دائمًا كان لا يحب الخروج، إلا للعمل، فلو كان لديه مسرح أو سينما أو إذاعة، كان يذهب فى مواعيده بالدقيقة والثانية. والحقيقة كان منضبطًا جدًا فى أى شىء له علاقة بالعمل. أما حياته الخاصة، فلم يكن فيها على نفس قدر الانضباط، كان فى حياته الخاصة «فوضوى» بعض الشىء، لكن يكون شديد الحذر والتركيز و الانضباط إذا ما دخل فى العمل، كان يحب عمله جدًا، ويؤمن به أشد الإيمان، ولقد علمنى أبى وبالمثل أخواتى أن نتعلم من الأخطاء فى حياتنا وكان دائمًا ما يحكى لنا واقعة حدثت له فى حياته، قلت له: وما هى؟

قال: ذات يوم فى منتصف السبعينيات كان يلعب بطولة عمل مسرحى مع صديقه الفنان محمد عوض، ويبدو أن العمل كان فاشلًا وهذا وصفه هو للعمل، ولم يستقبله الجمهور بصورة طيبة وفى إحدى ليالى العرض، جاء أحد العمال وطلب من أبى ومن زميله محمد عوض الخروج من الباب الخلفى للمسرح سألوه لماذا؟ قال: لأن الجمهور يريد ضربكما بسبب المسرحية. بعد دقائق غادر الفنان محمد عوض من الباب الذى أشار عليه العامل، أما أبى فجلس فى حجرته قليلًا، وبعد فترة قرر الخروج ومواجهة الجمهور، حاول مَن بالمسرح معه كثيرًا، حتى يعدل عن فكرته خوفًا على حياته، لأن الجمهور بالخارج يقف غاضبًا وثائرًا ضده وضد كل فريق المسرحية، لكنه أصر على المواجهة وبعد دقائق كان وجهًا لوجه أمامهم وعندما وقف وجد الجمهور فى حالة غضب، انتظر واقفًا أمامهم حتى هدأ الجميع، ثم قال لهم فى البداية: إذا كان العرض لم يحذ على إعجابكم ورضاكم فأنا نيابة عن كافة العاملين أقدم لكم اعتذارى عن ذلك. وعليكم أن تعرفوا أننا نقدم هذا العمل من أجل إسعادكم وفرحكم وليس بغرض المال أو الشهرة، نحن نعمل هذه المسرحية بكل إخلاص، نجتهد ونعمل ونفكر لكن من الوارد أن يكون هذا الاجتهاد وهذا العمل ليس على المستوى المطلوب، وليس هذا تقصيرًا منا أو بخلًا على العمل.. ولكنه «سوء توفيق»، ثم قال لهم: دعونى أتفق معكم أن هذا العمل فشل ولم ينجح.. هل كان إنسان منكم فى عمله لا يفشل فى بعض الأعمال؟ هل كل أعمالكم ناجحة؟ نحن بشر.. ومن الممكن أن ننجح ومن الممكن أن نفشل.. وقبل أن ينتهى من كلامه، وجد الجمهور الذى كان فى انتظاره للفتك به يحمله ويصفق له ويحتضنه فى مشهد عبقري.. ولم يتركوه حتى استقل سيارته وسط عاصفة من التصفيق له فى الشارع.. وإن دل ذلك على شىء فإنه يدل على صدقه مع فنه ومع جمهوره. قلت له هل كان يمارس دور «المعلم» فى حياته اليومية؟ قال: شخصية أبى ثابتة لا تتغير، نفس الطباع والأفكار والأحاسيس فى البيت مثل الشارع مثل التمثيل. فى البيت كان يرتدى الجلباب البلدى ونجلس معه نشاهد التليفزيون ويدخن الشيشة وكأنه فى مشهد درامى، ثم سكت الابن قليلًا وهو يقدم لى قطعة من الحلوى التى أمامنا ثم قال: ذات يوم ونحن صغار عاد أبى من خارج المنزل، فوجد فى التليفزيون تنويها عن عرض فيلم السهرة، فرح أبى جدًا، وطلب من والدتى أن تأتى لنا بالأكل والشاى لنشاهد الفيلم، لأنه «يمثل» فيه دورا، والفيلم كان اسمه «بهية» ووقتها كنا أطفالا، نفرح عندما نشاهد أبى فى التليفزيون. وانتظرنا حتى مر نصف ساعة من الفيلم ثم 40 دقيقة ولم يظهر و60 دقيقة ولم يظهر، الفيلم أوشك على الانتهاء ولم يظهر وجاءت كلمة النهاية، ولم يظهر فى الفيلم. نظرنا جميعًا له وقلنا:  «انت فين يا معلم»؟ سكت وقال: والله أنا قدمت دور ووقعت عقد أو أخذت الفلوس عن دورى فى هذا الفيلم.. لكن أين ذهب الدور لا أعلم، قلت له: من الوارد أن يرفع اسم الفنان من فوق الأفيش أو صورته، لكن أن يرفع هو ويختفى من الفيلم رغم تأدية الدور فهذه جديدة بعض الشىء.. ثم قلت له: ومن الذى فعل تلك العملة؟ قال: لا أعرف ولم يحاول أبىِ بعدها أن يسأل واعتبر الأمر وكأنه لم يكن. وتعد هذه الواقعة هى الأولى والأخيرة فى الوسط السينمائى كله.

< < <

تركت الابن والشقة التى عاش فيها ورحل منها محمد رضا وعدت للتاريخ فوجدت يوم ميلاده 22 ديسمبر عام 1921 كان يومًا عصيبًا على مصر كلها، ففى هذا اليوم تم تنفيذ حكم الإعدام فى باقى عصابة «ريا وسكينة» حيث أعدمت ريا وسكينة يوم 21 ديسمبر 1921 بعد سلسلة طويلة من المحاكمات والتحقيقات، اسفرت عن اتهام تسعة أشخاص هم «ريا وسكينة وعبدالعال وعرابى وعبدالرازق وحسبو وشيكر وأمينة والصائغ الذى كان يشترى منهم الذهب» وتم تنفيذ حكم الإعدام على يومين، الأول كان من نصيب ريا وسكينة، والثانى كان من نصيب باقى أفراد العصابة. وفى هذا اليوم الذى ولد فيه محمد رضا كانت مصر كلها من أقصاها إلى أقصاها فى انتظار سماع خبر إعدام هؤلاء المجرمين الذين قتلوا «17» ضحية فى مدة لا تزيد على سنة، ونشرت الصحف بعد ذلك أنه فى ذلك اليوم دخل بافى المتهمين على حبل المشنقة مستسلمين تمامًا باستثناء عبدالرازق، كان من الفتوات فى ذلك العصر وتملكته ثورة عنيفة وانطلق هائجًا فى غرفة الإعدام. وبسبب قوته الجسدية فشلت كل المحاولات فى السيطرة عليه فاستعان حراس غرفة الإعدام بفتوة آخر فى سجن مجاور واسمه «النجر» وانطلق مسرعًا يصارع «عبدالرازق» ووقف جميع الحراس فى انتظار انتهاء المعركة بين الفتوات وبالفعل نجح «النجر» فى هزيمة «عبدالرازق» وحمله إلى حبل المشنقة التى كانت معدة سلفًا وبعد دقائق أعدم ليكون آخر الأشقياء فى العصابة الذى ودع الحياة، يومها هدأت مصر كلها وارتاحت الأسرة المصرية التى كانت تخاف على بناتها من أن يكون مصيرهن القتل على يد العصابة، وفى الوقت الذى التف فيه حبل المشنقة على رقبة «فتوة» اسمه «عبدالرازق» كان «معلم» الحتة فى الإسكندرية بجوار قسم اللبان، ليترك الحياة.. كان القدر يرسل للحياة «فتوة» أو معلما آخر بمعنى كلمة «مَعْلَمة» اسمه محمد رضا.. رحل «فتوة» الشر «عبدالرازق» جاء للدنيا «فتوة» آخر يجسد الخير والجدعنه والقلب الطيب والذى جسده على الشاشة وخشبة المسرح المعلم محمد رضا «تلك هى الدنيا»، إن مات فيها الخير يولد الشر وإن مات فيها الشر يولد الخير.

عدت للابن وقلت له: هل فرض عليكم اتجاه معين فى الدراسة؟ رد قائلًا: «ترك لنا أسلوب الحياة التى نريدها، فقط كان حريصًا على أن نتعلم ونحصل على شهادات جامعية مرموقة تليق به قبل أن تليق بنا، وكانت والدتى تتحمل العبء الأكبر من المتابعة فى التعليم والدراسة، نظرًا لكثرة مشاغله، والحقيقة هو حاول بطريقة مهذبة أن يبعدنا عن عالم التمثيل لصعوبة العمل فيه، وبسبب المعاناة التى عاش فيها بسبب حبه للتمثيل، كان يحب الحياة ويحب الناس وكانت البسمة دائمًا مرسومة على وجهه، وكان «معلمين» مصر كلها يفرحون به ويسألون عنه وكان هو سعيدا بذلك.

وقبل أن أغادر مكانى قلت له: هل تذكر الأيام الأخيرة فى حياته؟ قال: كان حتى آخر يوم فى حياته يعمل، ولم يصب بأى مرض وجاء موته مفاجأة مدوية لنا ولكل محبيه، وأذكر أنه توفى فى شهر رمضان يوم «17» من الشهر الكريم، وكانت لحظة موته غريبة وعجيبة جدًا. فى ذلك اليوم وبعد أن تناول طعام إفطاره وجلس يشرب فنجان الشاى، أثناء ذلك رن تليفون البيت وكان بالصدفة هو بجواره.. رفع السماعة وجد على الخط معدا فى التليفزيون يريد إجراء حديث معه، وبالفعل أثناء استعداد المعد للتسجيل معه، وبعد دقائق.. فجأة توقف لسانه فلم يعد ينطق بكلمه، القناة على الناحية الأخرى تسأله وهو لا يرد.. ارتفعت حرارة الهاتف وهبطت حرارة جسده، القلب توقف ويده سقطت منها السماعة وأسند رأسه للخلف على المقعد الذى يجلس عليه، دخلت أمى عليه وفى يدها «طبق» حلويات رمضانى، وجدته أسلم الروح إلى خالقها، المعلم رضا.. مات!

< < <

مات «المعلم» بعدما ترك «علامة» بفنه وصدقه وجدعنته وطيبة قلبه وسلامة وصدق قوله فى كل بيت.. مات بعدما قبل التحدى ونجح فيه.