السفير بدر الدين زايد :الدبلوماسية المصرية تبذل جهوداً لتوحيد المواقف العربية

السفير بدر الدين زايد :الدبلوماسية المصرية تبذل جهوداً لتوحيد المواقف العربية
الأربعاء, 06 ديسمبر 2017 23:47

حوار: ممدوح الدسوقى - تصوير : أشرف شبانة

 

«اهتزاز لبنان خطوة متقدمة لتقويض المشروع العربى الوطنى، وإحلال المشروع الشرق أوسطى؛ لتفتيت الدولة الوطنية؛ لأن لبنان هو منصة التوازنات الإقليمية والدولية».. هذا ما قاله السفير  د. محمد بدر الدين زايد، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون العربية، سفير مصر الأسبق فى لبنان، حيث أكد أن مصر ولبنان أكثر دولتين عربيتين تمثلان المشروع الوطنى العربى، ولهذا فإن جميع الطوائف اللبنانية لا تريد تكرار التجربة المؤلمة السابقة لها فى الحرب الأهلية.

وأشار «زايد» إلى أن إيران التى تقوم بسياسات وممارسات تثير الشكوك حولها، وأن الكثيرين من العرب لا يشعرون بأن إيران دولة صديقة لهم.

 وأضاف أن الدبلوماسية المصرية تبذل جهوداً لتوحيد المواقف العربية، والرئيس السيسى يعمل لتجنيب المنطقة العربية السقوط فى الهواية، مضيفاً أن جولة سامح شكرى العربية تهدف إلى نزع فتيل الأزمة اللبنانية وتهدئة الأوضاع الإقليمية.

 

 

● ما التعقيدات والإشكاليات التاريخية التى تحيط بالمجتمع اللبنانى؟

- مع كل التعقيدات الطائفية والتعددية، ووجود الكثير من الإشكاليات المحيطة بالمجتمع اللبنانى تاريخياً إلا أنه نموذج العروبة الذى لا يمكن التفريط فيه؛ لأنه جمع معظم مكونات التركيبة العربية دينياً وطائفياً ومصر ولبنان أكثر دولتين عربيتين تمثلان المشروع العربى؛ لأن مصر تضم أكبر كتلة سكانية مسيحية عربية، ولبنان يحتضن أكبر نسبة مسيحية عربية، بجانب تركيبته الطائفية والدينية المتعددة.. ومن مصلحة البلدين ترسيخ هذا التنوع والتعايش؛ لأن اهتزازهما خاصة لبنان هو خطوة متقدمة فى تقويض المشروع العربى، وإحلال المشروع الشرق أوسطى للتفتيت.

● وكيف يتعامل لبنان مع هذه التعقيدات سياسياً؟

- لبنان له طبيعة خاصة معقدة وهو منصة التوازنات والتطورات الإقليمية والدولية لأن طبيعة لبنان قائمة على تعدد الطائفية الشديدة، ما صنع نظام حكم سياسياً مختلفاً وغير موجود فى العالم، وليس له نظير؛ لأنه يكرس تلك الطائفية، ولم يحدث أن تمت فى لبنان انتخابات رئاسية سهلة منذ الخمسينيات، وعملية اختيار الرئيس تشوبها صعوبات شديدة تعكس بدقة شديدة التوازنات الإقليمية، لكن هذه المرة كانت أكثر صعوبة؛ لأن الأغلبية البرلمانية التى يمثلها تيار المستقبل والمتحالفون معه شكلت تيار «14 آزار»، الذى يمثل مجموعة من القوى المسيحية وأغلبية السُنة، وهذا التيار يحقق الأغلبية فى الانتخابات، ولكنه لا يستطيع أن يفرض رؤيته بينما تيار «8 آزار» يملك الفيتو، وهذا ما أدى إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية فترة طويلة، ثم ظهرت الصفقة التى بمقتضاها جاء الرئيس ميشيل عون إلى السلطة وهو من تيار الأقلية، وكان يفترض وجود ترتيبات لخفض التوتر بعد وصول الرئيس «سعد الحريرى» إلى السلطة، ومنها محاولة تقليل مساحة التورط فى الأوضاع الإقليمية بالقدر الممكن.

● ما موقف إيران من لبنان وماذا تريد منه؟

- إيران أعلنت فى السابق أن هناك 4 عواصم عربية بسطت نفوذها عليها أولاها بيروت.

● ما الخطر الإيرانى فى المنطقة؛ لأن البعض ينفى هذا الخطر بحجة أنها دولة إسلامية؟

- إيران دولة إسلامية هذا صحيح، والشعب الإيرانى شقيق، ونتمنى أن نقيم معه علاقات طبيعية، لكن للأسف الشديد السياسات الإيرانية منذ ثورة الخمينى لم يصبح نظاماً إسلامياً بل هو نظام يفسر الإسلام من خلال تيار فى مذهب الاثنى عشر؛ لأن الشيعة جميعهم لا يوافقون على سياسات إيران، والدليل أن «السيستانى» فى العراق لا يوافق على أن تكون ولاية الفقيه بهذا الشكل، ثم إن إيران قامت بسياسات وممارسات أثارت الشكوك حولها، وسببت نوعاً من خيبة الأمل بين العرب؛ بسبب الاستقطاب والمواجهة بين مكونات العالم الإسلامى.

● لكن رغم شعور إيران بالعزلة داخل المحيط العربى مع ذلك لها أذرع ودول تتعامل معها..

- لم تعد هناك عزلة بالمعنى السابق، لكن هى التى فرضت التعامل معها؛ بسبب سياستها وتعاملها فى كثير من الملفات العربية، وأدت إلى شعور الكثير من العرب بأن إيران دولة ليست صديقة.

● كيف التصدى للأطماع الإيرانية فى المنطقة العربية؟

- أولاً لا بد للعالم العربى أن ينهى بؤر التوتر الشديدة التى تؤدى إلى ضعف الموقف العربى؛ لأن العالم العربى يحتاج أن يكون قوياً وموحداً فى مواجهة هذه التحديات لأنه من الحكمة فى المدى البعيد أن يكون هناك وثيقة تعايش بين السُنة والشيعة ويجب أن تدرك إيران أن المستقبل مع وجود أغلبية كاسحة للعرب والسُنة لن يكون فى صالح السياسات التوسعية الإيرانية.

● بكل هذه المعطيات هل دقت طبول الحرب فى لبنان؟

- لا أعتقد ذلك لأن الشعب اللبنانى يتذكر الحرب الأهلية فى لبنان التى استمرت 15 عاماً، ويعلم أن الحرب تجعل الكل خاسراً، ولهذا جميع الطوائف اللبنانية لا تريد تكرار هذه التجربة المؤلمة التى لم تحقق غير الخراب والدمار.

● أم يوجد احتمال تفجير الاحتكاك المذهبى والصراع الطائفى فى لبنان؟

- هناك فرص كثيرة لاحتواء هذا التوتر أولاها أن يتخذ الرئيس سعد الحريرى قراره بالعودة أو عدم العودة فهذا قراره، ولكن يجب أن يراجع الجميع مواقفه وبشكل خاص حزب الله بما يجعل لبنان النموذج للتعايش العربى، إلا أنه إذا لم يكن هناك هذا التعايش فلن يوجد لبنان، لأن عروبة لبنان مفروضة عليه ومن مصلحة لبنان أن يتجنب أى مواجهات وأن يجد حلاً، ويتجنب هذا الاستقطاب، وتقوم الأطراف المتورطة فى صراعات ونزاعات خارج لبنان، بتخفيف تدريجى لهذا التورط وعودتها للحدود اللبنانية بما يسمح بإقامة حوار جاد بين هذه الأطراف لأنه ليس لهم بديل إلا التعايش.

● بالأمس القريب قامت إسرائيل بمناورة عسكرية مع أمريكا وفرنسا والصين والهند والبعض رأى أنه استعداد لتوجيه ضربة إسرائيلية لحزب الله؟

- علينا أن ننظر لهذه المناورة فى سياقها؛ لأن المناورة لم تتم فجأة بل كان معداً لها منذ شهور وهذه الدول لا يمكن أن تكون طرفاً فى هذه المواجهات، وبالتالى من الخطأ أن تقوم إسرائيل بشن حرب جديدة على لبنان أو حزب الله لأن التجارب السابقة أثبتت أنها لن

تؤدى إلى تغيير أى شىء إلا تدمير لبنان خاصة أن حزب الله طور قدراته فى الاختباء وله مواقع تحت الأرض والعمليات العسكرية الإسرائيلية تترك العداوة والرفض العربى لإسرائيل، وبالتالى من الحكمة ألا تقوم إسرائيل بمثل هذه المغامرة.

● وماذا عن قرار سحب الرعايا الأمريكيين والسعوديين والفرنسيين من لبنان؟

- هذه إجراءات وقائية يمكن أن يتخذها الكثير من دول العالم مع أنى لا أقول إن الخطر زال لأن الأزمة لم تنته بذهاب «الحريرى» إلى باريس بل ستبدأ عندما يعود إلى بيروت.

● ما الموقف الدولى تجاه الأحداث اللبنانية؟

- يوجد إرادة دولية ألا يجر لبنان إلى أتون حرب أهلية مرة أخرى؛ لأن القضية الرئيسية هل لو شُنت حرب على حزب الله ستكون ضده أم ضد المنشآت والأهداف اللبنانية، والجميع يتذكر الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله عام 2008 فهى لم تقض عليه أو تضعفه.

● هل يمكن أن يوجد دور للجامعة العربية فى أحداث لبنان؟

- ما ستقوم به الجامعة العربية تجاه الأزمة اللبنانية يتوقف على الكثير من العناصر أبرزها ما سيقدم عليه «الحريرى» نفسه هل سيصمم على الاستقالة أم سيكون هناك فرصة محاولة للأخذ والعطاء وأيضاً يجب على الجانب الآخر أن يقدم شيئاً.

● وما الموقف المصرى فى هذا الشأن؟

- موقف مصر ثابت وواضح؛ لأنها تنادى دوماً إلى صيغة للتعايش، ومصر تريد أن ينأى لبنان عن التجاذبات الإقليمية وتحمى لبنان بصبغته الدقيقة من أن يكون جزءاً من هذا الصراع، وهذه المواجهات والموقف الأخير يؤكد وجهة النظر المصرية، وجاءت تصريحات الرئيس السيسى واضحة فيما يتعلق بضرورة تجنب الهاوية والمواجهات الحادة التى يصعب الخروج منها فى المنطقة ككل.

● وماذا عن جولة وزير الخارجية سامح شكرى فى المنطقة العربية؟

- هذه الجولة هدفها نزع فتيل الأزمة وتهدئة الأوضاع الإقليمية بمحاولة لملمة الأمور حتى لا تفلت من السيطرة عليها.

● وما دور مصر فى توحيد رؤية الدول العربية من أجل تجنب تصعيد الأوضاع؟

- مصر دائماً طرف معتدل وتقدم كل المحاولات اللازمة لتوحيد المواقف العربية وتخفيف المخاطر، وأعتقد أن الكثير سيتوقف على المدى الذى ستقرر فيه مصر المشاركة بقوة من أجل نزع الفتيل فى المرحلة القادمة، خاصة أن الدبلوماسية المصرية تبذل جهوداً جبارة فى هذا الصدد.

● ما الذى طرأ على السياسة الخارجية المصرية بعد 30 يونيو؟

- مصر بعد 30 يونيو حاولت إعادة وترتيب وتركيز ثوابت السياسة الخارجية المصرية بأن تكون سياسة خارجية مستقلة وليست تابعة لأى كتلة أو قوة عظمى فى العالم، وعملت على تحقيق السياسة الاقتصادية لمصر وأعطت لها الأولوية ثم إن التحركات المصرية الكبيرة كانت فى هذا الإطار فى محاولة لإعادة التوازن لدور السياسة الخارجية مع إعطاء قوة دفع لعودة الدور المصرى إقليمياً ودولياً، خاصة مع الزيارات العديدة للرئيس السيسى فى أفريقيا وعقده عدداً كبيراً من الزيارات والحضور للقمم الأفريقية بالإضافة إلى مشاركته فى الاتحاد الأفريقى بكل الاجتماعات السابقة، ما أعطى قوة دفع جديدة للدور المصرى فى أفريقيا، وظهر هذا الدور فى رعاية مصر اتفاق الحركة الشعبية لجنوب السودان، بالإضافة إلى المصالحة الفلسطينية، والجهود المستمرة لتهدئة وإصلاح الوضع فى ليبيا وستشهد الساحة قريباً جهوداً مصرية فيما يتعلق بالملف اللبنانى.

● ما أطر حدود الأمن القومى المصرى؟

- مصر دولة عربية أفريقية متوسطية إسلامية بحكم قواعد الجغرافيا السياسية لا تستطيع أن تنعزل خارج هذه الجغرافيا السياسية؛ لأن مصالحها مرتبطة بالعالم العربى فى الأساس ومصالحها الأمنية والسياسية والحياتية مرتبطة بأفريقيا ودول حوض النيل، يأتى النيل من خلالها وقد عملت سفيراً فى جنوب أفريقيا ووجدت العاقلين هناك يقولون إن أفريقيا مهد الحضارة لأن مصر مهد الحضارة، ثم إن مصالح مصر الأمنية والاقتصادية مرتبطة بحوض البحر التوسط الذى يعتبر فى منتهى الأهمية لمصر تاريخياً؛ حيث إن التهديدات التى جاءت لمصر كانت من البحر المتوسط أو من الشرق والآن أصبح التهديد يأتى لمصر من الغرب، وهو تهديد جوهرى من حدودها الغربية؛ بسبب الأحداث الليبية وتهديد آخر يأتى لمصر من الجنوب، ورغم هذا مصر لا تستطيع الخروج من هذه الأطر الجغرافية والمحورية التى تحكم سياستها الخارجية.

● لكن فى أفريقيا يوجد نيجيريا وجنوب أفريقيا وإثيوبيا تتصارع مع مصر على الزعامة الأفريقية؟

- نعم هذا حقيقى ولكن من مصلحة القارة الأفريقية ألا يكون هناك حالة تنافسية بين هذه الدول الرئيسية وأن هذه الدول الأربع الكبرى تتشارك من أجل البحث عن المصالح المشتركة؛ لأن التحديات التى تواجه القارة الأفريقية تحديات ضخمة جداً خاصة الاقتصادية والتنموية؛ لأن مستويات التنمية فى أفريقيا أقل بكثير جداً مما نأمل إليه، والتحدى الأكبر هو تغيير المناخ فى أفريقيا ودول حوض النيل، وبالطبع مواجهة هذه التحديات تفرض على هذه الدول العمل والمشاركة فى البحث عن سبل جادة للتعامل مع التحديات.

● وماذا عن التدخلات الخارجية فى القارة؟

- ضعف دول القارة الأفريقية هو سبب هذه التدخلات الخارجية وأصبحنا نسمع عن قمة الصين أفريقيا وقمة الهند أفريقيا وقمة تركيا أفريقيا ولن يحمى القارة الأفريقية إلا تماسك أبنائها والدول الأربع الكبرى، أما التنافس بين هذه الدول فهو الذى يعطى الفرصة للدول الأخرى والاستعمار التقليدى والقوة الغربية سواء الأمريكية أو الإنجليزية أو الفرنسية للتغلغل والاستحواذ على مقدرات القارة.

● وهل عوامل التشابه أم الاختلاف هى الأكبر مع هذه الدول الكبرى فى أفريقيا؟

- هناك إشكال كبير لا يمكن إنكاره وهو التنافس على العضوية الدائمة فى مجلس الأمن على المقعد الأفريقى بين مصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا وإثيوبيا، مع أن هذا مجمد وغير مطروح حالياً، ومن الحكمة التركيز على إقامة الشراكة الحقيقية بين هذه الدول، ثم إن المستقبل سيحمل الكثير من الخير لمصر وإثيوبيا إذا ركزتا على الشراكة وابتعدتا عن الصراع والتنافس؛ لأن التنافس لن يخدم أياً منهما خاصة على المدى البعيد نهائياً.